عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
220
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
ابن مقلة في دهليز دار الخلافة وثب الغلمان عليه ، ومعهم ابن ياقوت ، وقبضوا عليه ، وأسلموه إلى الراضي يعرفونه صورة الحال ، وعدوا له ذنوباً وأسباباً تقتضي ذلك ، فرد جوابهم وهو يستصوب ما فعلوا ، واتفق رأيهم على توزير عبد الرحمن بن عيسى بن داود الجراح ، وقلده الراضي الوزراة ، وسلم إليه ابن مقلة ، فضربه بالمقارع ، وجرى عليه من المكاره بالتعليق وغيره من العقوبة شيء كثير ، وأخذ خطه بألف ألف دينار ، ثم خلص ، وجلس بطالاً في دار . ثم إن ابن رائق استولى على الخلافة ، وخرج عن طاعتها ، فاستماله الراضي ، وفوض إليه تدبير المملكة ، وجعله أمير الأمراء ، وأمر أن يخطب له على جميع المنابر ، وقوي أمره ، وعظم شأنه ، وتصرف برأيه ، وأحاط على أملاك ابن مقلة وضياعه وأملاك ولده أبي الحسن ، فأخذ ابن مقلة في السعي بابن رائق ، وكتب إلى الراضي يشير عليه بإمساكه ، وضمن له متى فعل ذلك ، وقلده الوزارة فاستخرج له ثلاثمائة ألف ألف دينار ، وكانت مكاتبة على يد ابن هارون المنجم النديم ، فأطمعه الراضي بالإجابة إلى ما سأل ، فلما استوثق ابن مقلة من الراضي ركب من داره وقد بقي من رمضان ليلة واحدة ، واختار هذا الطالع لأن القمر يكون تحت الشعاع ، وهو يصلح للأمور المستورة فلما وصل إلى دار الخليفة لم يمكنه من الوصول إليه ، ووجه إلى ابن رائق ، وأخبره بما جرى ، وأنه احتال على ابن مقلة حتى حصله في أسره ، ثم أظهر الراضي أمر ابن مقلة ، وأخرجه من الاعتقال ، وحضر صاحب ابن رائق وجماعة من القواد ، وتقابلا فالتمس ابن رائق قطع يده التي كتب به المطالعة ، فقطعت يده اليمنى ، ورد إلى مجلسه . ثم ندم الراضي على ذلك ، وأمر الأطباء بمداواته ، فداووه حتى برئ . وكان ذلك نتيجة دعاء ابن شنبوذ المقرئ بقطع يده كما تقدم . وقال أبو الحسن ثابت بن سنان الطبيب : كنت إذا دخلت إليه في تلك الحال سألني عن أحوال ولده ، فأعرفه استتاره وسلامته ، فتطيب نفسه ، ثم يتوجه على يده ويقول : كتبت بها القرآن الكريم مرتين ، تقطع كما تقطع اللصوص . فأسليه وأقول : هذا انتهاء المكروه ، فينشدني : إذا ما مات بعضك قاتلاً بعضاً * فإن البعض من بعض قريب ثم عاد وأرسل الراضي من بعد قطع يده ، وأطمعه في المال ، وطلب الوزارة وقال : إن قطع اليد ليس بعد قطع اليد ، وليس مما يمنع الوزارة . وكان يشد القلم على ساعده ويكتب ، ثم أمر بعض التمين إلى ابن رائق يقطع لسانه أيضاً ، فقطع فأقام في الحبس مدة طويلة ولم يكن له من يخدمه ، وكان يستسقي الماء لنفسه من البير ، فيجذب بيده اليسري جذبة ونعمه الأخرى . وله أشعار في شرح حاله ، من ذلك قوله :